ابن المقفع

158

آثار ابن المقفع

وقد قالت العلماء : ربما جزي المتكلم بقوله ، والكلام بين أيديكم ، فانظروا لأنفسكم . فتكلم سيد الخنازير لإدلاله « 1 » وتيهه بمنزلته عند الأسد . فقال : يا أهل الشرف من العلماء ، اسمعوا مقالتي وعوا « 2 » بأحلامكم « 3 » كلامي . فالعلماء قالوا في شأن الصالحين إنهم يعرفون بسيماهم « 4 » . وأنتم معاشر ذوي الاقتدار يحسن صنع اللّه لكم وتمام نعمته عليكم ، تعرفون الصالحين بسيماهم وصورهم وتخبرون « 5 » الشيء الكبير بالشيء الصغير . وههنا أشياء كثيرة تدل على هذا الخبيث دمنة وتخبر عن شره ، فاطلبوها على ظاهر جسمه لتستيقنوا وتسكنوا « 6 » إلى ذلك . قال القاضي لسيد الخنازير : قد علمت وعلم الجماعة الحاضرون أنك عارف بما في الصور من علامات السوء ، ففسر لنا ما تقول وأطلعنا على ما ترى في صورة هذا الخبيث . فأخذ سيد الخنازير يذم دمنة وقال : إن العلماء قد كتبوا أنه من كانت عينه اليسرى أصغر من عينه اليمنى وهي لا تزال تختلج ، وكان أنفه مائلا إلى جنبه الأيمن ، فهو خبيث جامع للخب « 7 » والفجور . وكان دمنة على هذه الصفة . فلما سمع دمنة ذلك قال : من ههنا تقيسون الكلام وتتركون العلم . فاسمعوا مني ما أقوله لكم وتدبروا « 8 » بعقولكم . فقد وعيتم « 9 » ما قال هذا ، فإن كان يزعم أن ما في جسمي من هذه العلامات هو الدليل على صدق ما رميت « 10 » به ، فإني إذن أكون قد وسمت « 11 » بسمات « 12 » وعلامات اضطرتني إلى الإثم فعملت بها ما عملت . ففي ذلك براءة لي وعذر مما عملته . ثم التفت إلى سيد الخنازير وقال : فقد بان لمن حضر

--> ( 1 ) ادلاله : جرأته . ( 2 ) وعوا : امر من وعى يعي ، اي احفظوا . ( 3 ) بأحلامكم : جمع حلم بمعنى الأناة والتأني . ( 4 ) سيماهم : هيئتهم . ( 5 ) تخبرون : تتحققون وتعرفون . ( 6 ) سكن إلى الامر : اطمأن ، تطمأن . ( 7 ) الخب : المكر والخداع . ( 8 ) تدبروا : تأملوا واعتبروا . ( 9 ) وعيتم : فهمتم . ( 10 ) رميت به : اتهمت . ( 11 ) وسمت : علمت . ( 12 ) السمات : العلامات .